فخر الدين الرازي
104
تفسير الرازي
الاحتمال الثالث : أن تكون اللام في قوله : * ( لإيلاف ) * بمعنى إلى كأنه قال : فعلنا كل ما فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي إيلافهم : * ( رحلة الشتاء والصيف ) * تقول : نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء في المعنى ، هذا قول الفراء : فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التي قبل هذه ، وبقي من مباحث هذا القول أمران : الأول : أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين : أحدهما : أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن السورتين لا بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها ، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقاً بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة وثانيها : أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة وثالثها : ما روى أن عمر قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى والتين ، وفي الثانية ألم تر ولإيلاف قريش معاً ، من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم : القول الثاني : وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل ، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه ، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها معنى بعض ، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة ، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه من يقول به ، وقوله : * ( إنا أنزلناه ) * متعلق بما قبله من ذكر القرآن ، وأما قوله : إن أبياً لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما ، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين . البحث الثاني : فيما يتعلق بهذا القول بيان : أنه لم صار ما فعله الله بأصحاب الفيل سبباً لإيلاف قريش ؟ فنقول : لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى : * ( بواد غير ذي زرع ) * إلى قوله : * ( فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات ) * فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب ، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم ، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة ، ويقولون : هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله ، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة ، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفسهم وأموالهم ، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب ، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر ، فلهذا قال الله تعالى : * ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) * * ( لإيلاف قريش . . . رحلة الشتاء والصيف ) * . والوجه الثاني : فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة : * ( فليعبدوا رب